أدب الاستقالات في الأحزاب السودانية
معروف أن الانتماء لحزب سياسي يبدأ بالإيمان بفكرة تتجسد في المشروع السياسي المطروح من قبل الحزب.
وهذه الفكرة، لتحقيقها، تتطلب عملاً جماعياً في الحزب، وكسب قطاع واسع من المجتمع لكي يعضد الفكرة ويعمل من أجل تحقيقها في الواقع.
وبالتالي كل تغييرات تطرأ على الفكرة يجب أن يكون الجميع على إلمام بها، بل مشاركين فيها من خلال الحوارات داخل الحزب وخارجه مع الجماهير التي يركز عليها الحزب.
حتى تصبح عملية الوعي منتشرة بين الجميع. والعضو الذي يريد أن يغادر الحزب بهدوء يقدم استقالته بعد أن يوضح الأسباب التي جعلته يتخذ هذا القرار.
وإذا أراد أن ينشر استقالته، يجب عليه أيضاً أن يطلع الآخرين على ماهية الأسباب التي قادت لذلك، وموقف الحزب منها.
أدب الاستقالات من الأحزاب السياسية السودانية ليس منتشراً بشكل كبير في الحقل السياسي السوداني، إلا ما ندر.
ربما يكون السبب هو ضعف الثقافة الديمقراطية في السودان، وأيضاً ضعف الممارسة الديمقراطية في المؤسسات الحزبية.
استقالة حنان حسن
اليوم وصلتني استقالة عضوة حزب المؤتمر السوداني حنان حسن من العديد من الأصدقاء عبر صفحتي في “فيسبوك”.
قرأت الاستقالة أبحث فيها عن السبب أو الأسباب التي أدت للاستقالة، ولكن للأسف لم أجد سبباً واحداً يدعوها للاستقالة.
حنان مالت في كتابتها للمحسنات البديعية بنوعيها، من تورية وجناس وطباق وسجع وازدواج ومقابلة وغيرها..
دون أن تشير للدوافع الرئيسة للاستقالة. رغم أنها محامية وتعرف كيف ترتب حيثيات القضايا لكي تكون مقنعة للقضاء.
ولكنها في الاستقالة مالت لمحسنات الشعر والنثر، مما يدل أنها تريد أن تذهب دون أن يشكل ذهابها حلقة للنقد لشخصيتها أو لرؤيتها.
كما أن مقالها يؤكد أنها ربما تذهب إلى اتجاه سياسي آخر.. ولكنها تريد أن تحتفظ بذات العلاقات القديمة.
إذا قارنا هذه الاستقالة باستقالات أخرى لسياسيين في ظروف سياسية مغايرة، نجد الاختلاف بائناً في عمق التجربة السياسية.
والفهم العميق لأبعاد الاستقالة، لأنها تشكل أرضية ثقافية لأدب النقد السياسي. سأتعرض بإيجاز لخمس استقالات في التاريخ السياسي السوداني من الأهمية بمكان.
الأولى:
صدرت من محمد توفيق أحمد عند دمج الحزب الوطني الاتحادي والشعب الديمقراطي في 1967م. وكان نائباً برلمانياً. كتب في استقالته أنه يضطر للاستقالة لأن اندماج الحزبين يعني عودة الطائفة للحزب.
وبكل تراكماتها الثقافية التي تعيق عملية الديمقراطية في الحزب، وأيضاً سوف تكون منقصة وليست إضافة للمؤمنين بعملية التحول الديمقراطي في البلاد.
*الثانية:
استقالة الدكتور عبد الله علي إبراهيم. لكن عبد الله انتقد الحزب في كل المقالات التي كتبها عن عبد الخالق محجوب الذي يعتبره الأب الروحي. ولذلك استخدم عبد الله في فلسفة الكتابة “التورية”.
هو يكتب عن عبد الخالق في ممارسته الديمقراطية مع أعضاء الحزب، وحل مشاكلهم والاعتناء بقدراتهم، وهو يقصد المقارنة مع الآخرين الذين لا يمتلكون قدرات عبد الخالق محجوب.
*في محطة أخرى:
أصدر الخاتم عدلان رؤيته للحزب وللماركسية بعد سقوط حائط برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي، وانتقد ضيق المواعين الديمقراطية داخل الحزب، وانتقد “المركزية الديمقراطية”. انتقادات الخاتم كتبها في دراسة نقدية بعنوان “أن أوان التغيير”.
وكنت أقمت حواراً بين الخاتم عدلان والدكتور الشفيع خضر في منتصف تسعينيات القرن الماضي في “المركز السوداني للثقافة والإعلام” بالقاهرة.
باعتبار أن الاثنين كانا يحملان رؤية التغيير. لكن الخاتم خرج من الحزب وقال إن القيادة في الحزب لن تسمح بمرور التغيير فيه.
وكانت رؤية الشفيع النضال من داخل الحزب بهدف التغيير، لكن القيادة لم تتحمل سماع آراء جديدة لذلك طردته من الحزب حتى لا يؤثر على بقية العضوية.
*في الحركة الإسلامية:
أصحاب الرؤية الناقدة يتمسكون بالمرجعية الفكرية ولكنهم يغادرون مقاعد الحزب، وتصبح علاقتهم بالحركة الإسلامية فقط من خلال كتاباتهم. حيث كتب التجاني مقاله المشهور “تحالف القبيلة والسوق والأمن” نقد فيه الإنقاذ.
ولكن حديثه الأكثر نقداً كان في اللقاء الذي أجراه معه الدكتور الجيلي علي البشير في قناة الشروق في برنامج “الجدوى العلمية للأسلمة والتأصيل” عام 2013م، بين فيه لماذا انتمى للحركة الإسلامية ولماذا غادر مقاعد التنظيم بعدما استلمت الحكم.
وأيضاً الدكتور حسن مكي لم يغادر المرجعية الفكرية لكنه كان ناقداً للنظام السياسي للحركة، وكان بعيداً عن الممارسة الحزبية، الأمر الذي جعله بعيداً عن حساسية الصدام المباشر.
نرجع للأستاذة حنان حسن، هي لم تكتفِ برسالة الاستقالة إلى الحزب، ولكنها أرسلتها خارج الحزب بهدف الاطلاع عليها.
وبأنها لم تعد تنتمي لحزب المؤتمر السوداني، وعندها الخيار في اختيار مؤسسة أخرى تريد الانتماء إليها، دون أن تفصح عن ذلك.
*السؤال:
الاستقالة التي لا تريد أن تبين فيها الحيثيات بصورة واضحة، لماذا نشرتها في الوسائط الإعلامية؟
دائماً الاستقالات التي تُكتب فيها نقد أو خلافات في الرؤى، أو تقديم أسئلة تتعلق بخط الحزب السياسي والبرنامج الذي يطرحه مؤخراً، مفيدة للحزب باعتبارها تبين له نقاط الخلاف والأسباب التي أدت إلى الاستقالة بهدف التصحيح مستقبلاً.
لكن الاستقالة نفسها تبين فهم المرء الذي قدمها للعملية السياسية وحدود ثقافته السياسية، وكيفية التعامل مع القضايا الخلافية.
إن أدب الاستقالة نفسه يعتبر مدرسة في العمل السياسي وطريقة للنقد المدون والمكشوف للعامة.. نسأل الله حسن البصيرة.
زين العابدين صالح عبد الرحمن
