قيادة الجيش من البندقية إلي البوليتيكيا

0 10

بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن

بعد اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023م، لم يكن أمام قيادة الجيش إلا خيار واحد: البندقية، في كيفية التصدي للمليشيا.

 

والحفاظ على تماسك المؤسسة وجميع المؤسسات المرتبطة بها. وهذا الخيار استغرق وقتاً طويلاً، حيث كانت المليشيا منتشرة في العاصمة وأغلبية ولايات السودان الوسطى غير كردفان ودارفور.

وبعد خروج القائد من القيادة العامة وعدد من القيادات، أصبح هؤلاء يديرون الدولة ويعملون على المحافظة عليها، ويتحركون في مساحة ضيقة داخل المنطقة الإقليمية والدولية.

لذلك أصبح الجيش يتعامل من خلال خيارين: البندقية والسياسة، وكان يجيد فيها المناورة هروباً من فرض شروط عليه تحدد مساره.

وفي نفس الوقت تقيده بقرارات دولية تجعله أمام خيار واحد: “التفاوض مع المليشيا” بهدف الوصول إلى مساومة تعيد المليشيا مرة أخرى إلى المسرح العسكري والسياسي كما كان قبل الحرب.

 

من قبل كنت قد كتبت عدة مقالات تساءلت فيها: “من الذي يصنع الحدث في السودان؟ وينقل الكل من أجندة إلى أخرى ولا خيار لهم غير التبعية؟” لأن الذي يصنع الحدث، ليس فقط يحدد أجندة الحوار للآخرين.

وحتى الإعلاميين والصحافيين، بل الجميع يصبحون أسرى للتنقل معه عبر الأجندة التي يطرح، وليس لهم أية قدرة على المخالفة والعصيان

. لسبب بسيط: لأنهم لا يملكون القدرة على صناعة الحدث، أو حتى تقديم أفكار تعالج القضايا المطروحة وتساعد على تغيير طريقة التفكير السالبة السائدة في الحقل السياسي.

هؤلاء صناع شعارات فقط، والشعارات دون أفكار تؤكد محدودية القدرة الذهنية عند هؤلاء. لذلك مهما كانت صيحاتهم وحركتهم فسوف تكون مقيدة بأجندة صناع الحدث.

ساحة المعارك العسكرية تفرض خيارات أخرى في التعامل مع العدو، كما يفعل الجيش الآن.. أن يُحدث اختراقاً في العدو عبر استسلام العديد من قياداته.

مثل هذا الاختراق ليس مجرد سحب قيادات من ميدان المعركة، بل هي عملية تؤثر نفسياً ومعنوياً في بقية المقاتلين.

وتجعل قيادة المليشيا في بئر من الشكوك في البقية الأخرى، الأمر الذي يشل تفكير قيادة المليشيا تماماً.

اختراق القيادة والتفاوض

هناك البعض الذين يتساءلون: إذا كانت هناك قيادات يمكن اختراقها، لماذا لا يتم التفاوض مع المليشيا لإنهاء الحرب؟.

ماذا يعني التفاوض مع المليشيا؟ الاعتراف بها مرة أخرى وبكل أجندتها والعودة بها إلى ممارسة العمل العسكري والسياسي القديم، وهذا غير مقبول.

أما الانتهاء من المليشيا فهو إسقاط أجندتها وعدم عودتها إلى الساحة السياسية. وهذا الذي لا يريده بعض السياسيين الطامحون للعودة عبر مظلة المليشيا.

وإذا انتهت المليشيا، انتهت أجندة الذين يطوفون في دول أوروبا بحثاً عن هدنة وتوزيع إغاثة بهدف إدخال دعم عسكري للمليشيا.

القضية الأخرى التي طرحها قائد الجيش هي دعوة كل المواطنين في الخارج للمساهمة من أجل بناء الوطن،

وأيضاً المعارضين إذا لم يرتكب منهم جريمة ضد الوطن. وكان رئيس الوزراء د. كامل إدريس قد أعلن عن حوار وطني يتم داخل السودان نهاية شهر مايو القادم.

والهدف من الحوار الوطني هو الوصول لتوافق حول العديد من القضايا التي يُعتقد أنها تعتبر حجر الزاوية في الخلافات السياسية بين التيارات المختلفة.

وهناك أيضاً دعوة للذين في الخارج من أجل الحضور للمشاركة. لذلك تعهد رئيس الوزراء بحل مشاكل الوثائق التي تساعدهم على حركة التنقل.

والأسئلة المطلوب الإجابة عليها: هل الدعوة للحوار الوطني موجهة لأفراد بعينهم، أم للتنظيمات السياسية؟.

وما هي التنظيمات التي يجب السماح لها بالمشاركة في الحوار الوطني؟ هل هي التنظيمات السياسية والأهلية التي تمتلك قواعد اجتماعية عريضة.

أم أية يافطة لحزب حتى إذا كانت عضويته لا تزيد عن شخصين، كما حصل في “إعلان الحرية والتغيير” والتي كانت جزءاً من عملية إجهاض الفترة الانتقالية؟.

ومن هي الجهات التي سوف تقدم الأوراق التي تحمل حمولة الموضوعات المختلف عليها وتحتاج لحوار وطني؟

 

الجيش يملأ فراغات السياسة لأن القوى السياسية المؤيدة للجيش قوى ساكنة غير فعالة. هؤلاء ينتظرون الجيش ينتصر ليقدموا وصفة “المحاصصة في السلطة”.

القوى السياسية التقليدية، إذا نظرنا إلى الاتحاديين، أصبحوا تيارات لا تجمعها قيادة واحدة. حزب الأمة منقسم إلى ثلاثة أجزاء.

جزء مؤيد للمليشيا وحكومة تأسيس، وجزء آخر مؤيد للجيش، والجزء الثالث يتراوح بين التيارين.

أيضاً الحركة الإسلامية أصبحت مجموعات مختلفة متفرقة، ليس هناك تنظيم واحد جامع بينهم.

والكتلة الفاعلة في الإسلاميين فاعلة في الإعلام كتيار له رؤية وليس كحزب معبر عن الجميع.

الحزب الشيوعي والكتلة المضافة إليه حالهم حال المرأة الطاعنة في السن والمطلوبة للزواج وأولادها رافضون: لا قادرة تحقق رغبتها في الزواج ولا قادرة تعصي الأولاد.

سيطرة على قيادة الجيش

يبقى السؤال: إذا كانت الحركة الإسلامية ليست كتلة واحدة، لماذا الآخرون يتهمونها بالسيطرة على الجيش؟.

هذه ثقافة الإمارات التي تعتقد أنها ستثير الدول الغربية وأمريكا ضد السلطة الحاكمة في السودان.

وليس عندهم حجة أو أفكار يمكن أن يقدموها لوقف الحرب وحل الأزمات.

فالتجربة في الفترة الانتقالية أثبتت هشاشة التجربة السياسية عندهم وقلة الخبرة وضعف القدرات في إدارة الأزمات.

فالجيش يتحرك في المساحات الفارغة التي عجزت القوى السياسية أن تملأها.

وإذا كان الجيش يتحكم فيه الإسلاميون، لماذا وقعوا معه الوثيقة الدستورية، ودخلوا معه في شراكة سياسية.

وطردهم من السلطة، ثم جاءوا مرة أخرى طائعين لكي يلتقوا معه في “الاتفاق الإطاري”؟.

حلال عليهم وحرام على الآخرين الذين وقفوا معه كتفاً بكتف في ساعة الحرب.

لذلك الجيش لم يكتفِ بالبندقية، إنما جعل لها أرضية صلبة بالبوليتيكا..

نسأل الله حسن البصيرة.

Leave A Reply

لن يظهر بريدك الإلكتروني عند نشر التعليق

شكرا للتعليق